الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
84
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
النّار ، نعوذ باللهّ منها فلم يجز أن يقول : والسّبقة النّار » بل قال : « والغاية النّار » لأنّ الغاية قد ينتهي إليها من لا يسرّه الانتهاء إليها ، ومن يسرهّ ولا يصلح أن يعبّر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال تعالى . . . قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ ( 1 ) ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال ( سبقتكم ) - بسكون الباء - إلى النّار ، فتأمّل ذلك . فباطنه عجيب ، وغوره بعيد ، وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام . وفي بعض النّسخ : وقد جاء في رواية أخرى « والسّبقة الجنّة » - بضمّ السّين - والسّبقة عندهم : اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض ، والمعنيان متقاربان ، لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم وإنّما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود . أقول : هذه الخطبة رواها ابن قتيبة في ( خلفائه ) والجاحظ في ( بيانه ) وإبراهيم الثقفي في ( غاراته ) ومحمّد بن بابويه في ( فقيهه ) وابن أبي شعبة في ( تحفه ) ومحمّد بن محمّد بن النّعمان في ( إرشاده ) والمسعودي في ( مروجه ) مع اختلاف وزيادة ونقص . قال الأول : ذكروا أنّ البيعة لمّا تمّت له عليه السّلام بالمدينة : خرج إلى المسجد فصعد المنبر - إلى أن قال - قال عليه السّلام : واعلموا أنّ الدّنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت ألا وإنّ المضمار اليوم والسّبق غدا ألا وإنّ السّبقة الجنّة والغاية النّار ، ألا إنّ الأمل يسهي القلب ويكذب الوعد ويأتي بغفلة ويورث حسرة فهو غرور وصاحبه في عناء فافزعوا إلى قوام دينكم واتمام صلاتكم وأداء زكاتكم والنصيحة لإمامكم وتعلّموا كتاب اللّه وأصدقوا الحديث عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وآله وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدّوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب اللّه
--> ( 1 ) إبراهيم : 30 .